محمد كرد علي

109

خطط الشام

وآل الحسن فلم نجد عندهم إيالة الملك ولا صيانة المال ولا مكيدة الحرب . ولم يجبه إلى ما طلبه إليه . ولما مات الحسن بعد شهرين وقيل أربعة أشهر من استيلائه على العراق صفا الجو لمعاوية وبايع له الناس فملك العراق والحجاز ومصر ، وأجمعت القلوب على مبايعته طوعا أو كرها . وكان ممن مالأ معاوية على تحقيق رغائبه عمرو بن العاص عامله على مصر ، والمغيرة بن شعبة عامله على الكوفة . خلافة يزيد ورأي ابن خلدون : أوعز معاوية سرا إلى ولاة الأمصار أن يوفدوا الوفود اليه يزينون له إعطاء العهد لابنه يزيد ، حتى استوثق له أكثر الناس وبايعوه والسيوف مسلولة فيما قيل على رقاب الصحابة في مسجد الرسول . وبذلك أخرج معاوية الخلافة عن أصولها ، وكانت بالعهد لأفضل الصحابة أو بالشورى بينهم لمن يقع اختيارهم عليه ، وجعلها كالملك يورثها الأب ابنه أو من يراه أهلا لها من خاصته ، أو كسروية أو قيصرية على سنة كسرى وقيصر كما قالوا . وبذلك نقم على معاوية بعض الصحابة والتابعين من الأنصار والمهاجرين . والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه - كما قال ابن خلدون - إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية ، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم ، فآثره بذلك دون غيره مما يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع ، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك ، وحضور الأكابر لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة ، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق ، فإنهم كلهم أجلّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه ، وفرار عبد اللّه ابن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من